محمد أبو زهرة
3833
زهرة التفاسير
وقوله تعالى : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) . الإشارة في قوله تعالى : ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ إلى قول امرأة العزيز ، ولكن الضمير يعود إلى من في قوله : أَخُنْهُ ، أيعود إلى يوسف ، أم يعود إلى الملك ؟ ، إن قلنا : إن الكلام كلام يوسف يعود إلى الملك ، أي كانت تلك المجاوبة ليعلم أنى لم أخنه في غيبته ، وأنى كنت أمينا على شرفه وعرضه ، وإن اللّه تعالى لا يهدى كيد الخائنين ، أي لا يوفق تدبير الخائنين ، ويقول تعالى : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي . هذا على أن هذا القول جاء على لسان يوسف ، وهو تخريج الزمخشري ، ويصح أن يكون ذلك استرسالا لقولها ، ويكون على مع هذا التخريج ، ليعلم يوسف أنى لم أخنه بالغيب ، وأنى اتهمته وأصررت على الاتهام ، وها أنا ذا أقر بالحق أمام زوجي وأمام الناس وأنا ما أبرئ نفسي ، إن النفس أمارة بالسوء إلا من رحم ربى إن ربى لغفور رحيم . وإني أميل إلى أن ذلك من كلام يوسف عليه السلام تبرئة لنفسه أمام العزيز ، ولأن قوله إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ هي التي تليق بمقام النبوة ، وقوله : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فيه إشارة إلى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ . . . ( 24 ) وفيه إشارة إلى جيشان الغريزة ، ثم كفها ، لما رأى برهان ربه ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . تمكينه من ولاية مصر قال تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 62 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 ) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 )